أبي منصور الماتريدي
162
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يزول « 1 » أحدهم عما هو فيه ، ولا يزيغ عن ذلك ، وإن ابتلاه الله - تعالى - بأنواع الشدائد والبلايا ؛ ذكر في التوحيد والإيمان الربط والتثبيت بقوله : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [ الفرقان : 32 ] ، وقوله : وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، وقوله : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ [ الكهف : 14 ] ، وذكر في الشرك والكفر الطبع والختم والقفل ونحوه ؛ فهو - والله أعلم - عقوبة لهم لما اختاروا ذلك . وقوله : وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ . قيل « 2 » : وسوسة الشيطان ، وهو ما ذكر في بعض القصة أن المسلمين أصابهم ضعف شديد ، وألقى الشيطان في قلوبهم القنوط « 3 » ، ويوسوسهم ، ويقول لهم : تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجنبين « 4 » ، فأمطر الله عليهم مطرا شديدا ، فشرب المسلمون وتطهروا ، وأذهب عنهم رجز الشيطان ، ونشف الرمل حين أصابه المطر ، فمشى « 5 » الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم ، وأمدّ
--> - النفس ؛ فإنها كمن أقيم في ثغر وفوض إليه مراعاته ، فيحتاج أن يراعيه غير مخل به . وذلك كالمجاهدة ، وفي الحديث أن من المرابطة : « انتظار الصلاة بعد الصلاة » ، وفلان رابط الجأش : إذا قوي قلبه ، وقوله تعالى : وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ إشارة إلى نحو قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ عكس من قال فيهم : وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ . ينظر : عمدة الحفاظ ( 2 / 68 ، 69 ) . ( 1 ) في أ : يشدها حتى لا يزال . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 195 ) ، ( 15789 ) و ( 15790 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 6 / 310 - 311 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم . ( 3 ) القنوط : اليأس من الخير ، يقال : قنط - بالفتح - وقنط - بالكسر - ولم يقرأ إلا بالأول ، وقرئ المضارع بالوجهين في المتواتر . ينظر : عمدة الحفاظ ( 3 / 401 ) . ( 4 ) من الجنابة : أصلها : البعد من الجنب ، وهو : البعيد ، وسمي الجنب جنبا ؛ لتباعده عن المسجد ، قال علقمة بن عبدة : فلا تحرمني نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط القباب غريب أي : عن بعد . وقوله تعالى : فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ أي : عن بعد ، وكذا : وَالْجارِ الْجُنُبِ هذا هو الأصل ، ثم كثر استعماله حتى قيل لكل من وجب عليه غسل من جماع : جنب ، يقال : رجل جنب ، وامرأة جنب ، ورجال جنب ، يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث ، وربما قالوا في جمعه : أجناب وجنبون ، يقال في فعله : أجنب الرجل وجنب - بالضم - ويكون أيضا بمعنى الاعتزال ، يقال : نزل فلان جنبة ، أي : ناحية واعتزل الناس . ينظر : النظم المستعذب ( 1 / 41 - 42 ) ، وتهذيب اللغة ( 11 / 118 ) ، والنهاية ( 1 / 302 ) ، والصحاح ( جنب ) ، والعين ( 6 / 151 ) ، وتفسير غريب القرآن ( 329 ) ، وغريب الخطابي ( 3 / 69 ) . ( 5 ) في ب : مشى .